فصل: القول السابع:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.القول السابع:

قول القاضي أبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتوفي سنة 403 هـ قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا:
الأول: ما تتغير حركته ولا يزول معناه ولا صورته مثل: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} بضم الراء وفتحها.
الثاني: ما لا تتغير صورته ويتغير معناه بالإعراب مثل: {رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا} بإسكان الدال وفتحها، الأول فعل أمر والثاني فعل ماض.
الثالث: ما تتغير صورته ومعناه باختلاف الحروف مثل قوله: {نُنْشِزُها} و{ننشرها}.
الرابع: ما تتغير صورته ويبقى معناه مثل: {كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} و{الصوف المنفوش}.
الخامس: ما تتغير صورته ومعناه مثل: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} و{وطلع منضود}.
السادس: التقديم والتأخير كقوله تعالى: {وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} و{وجاءت سكرة الحق بالموت}.
السابع: الزيادة والنقصان مثل قوله: {تسع وتسعون نعجة أنثى} و{تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً}.
وهذا القول متفق في الجوهر مع قول ابن قتيبة.

.القول الثامن:

قال ابن الجزري: قد تتبعت صحيح القراءات، وشاذها، وضعيفها ومنكرها، فإذا هي يرجع اختلافها إلى سبعة أوجه، لا يخرج عنها، وذلك:
1- إما باختلاف في الحركات، بلا تغير في المعنى والصورة، نحو: {قَرْحٌ} بفتح القاف وضمها.
2- أو في الحركات بتغير في المعنى فقط، نحو: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ} برفع كلمات ونصبها، أي على أنها فاعل، أو مفعول.
3- أو في الحروف بتغير في المعنى لا الصورة نحو: {هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ} قرئ: {تَبْلُوا} و{تتلوا} وهما سبعيتان.
4- أو عكس ذلك: أي يتغير في الصورة لا المعنى نحو: {الصِّراطَ} و{السراط}.
5- أو بتغيرهما: أي المعنى والصورة نحو: {فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ} وقرئ: {فامضوا}.
6- وإما بالتقديم والتأخير نحو: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} الأولى بفتح الياء على البناء للفاعل والثانية بضم الياء للمفعول، وبالعكس.
7- وإما بالزيادة والنقصان نحو: {وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} وقرئ: {وأوصى} فهذه سبعة أوجه لا يخرج الاختلاف عنها: قال: وأما نحو اختلاف الإظهار والإدغام والروم والإشمام والتفخيم والترقيق والنقل؛ فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوع فيه في اللفظ والمعنى؛ لأن هذه الصفات المتنوعة في أداء اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظا واحدا؛ ولئن فرض فيكون من الوجه الأول الذي لا تتغير فيه الصورة والمعنى.
وقد رجح هذا القول بعض كبار العلماء، وأئمة الفتوى، وهو المغفور له الشيخ محمد بخيت المطيعي، وسوى بينه وبين مذهب ابن قتيبة، بل حاول جاهدا أن يرجع معظم الأقوال التي ذكرها السيوطي في الإتقان، وذكرناها هنا- إليه وهو تكلف لا نوافقه عليه.
كما رجح هذا القول أيضا بعض الباحثين، وأرجع إليه الأقوال الثلاثة الأخرى، وبين أنها جميعها ترجع إلى رأي واحد، ولعله تابع الشيخ في قوله.
ورجح رأي الرازي بعض أجلة العلماء، وبالغ في الانتصار له، وبيّن ما بين رأي الرازي وغيره من الآراء الثلاثة من فروق.
ولكني مع هذا... لم أركن إلى واحد من هذه الآراء، ولا أرى أنها المقصودة بالحديث وأضع بين يدي القارئ هذه النقود.

.نقد هذه الآراء:

يمكننا إجمال النقد فيما يأتي:
1- إن القائلين بهذا الرأي- على اختلاف أقوالهم- لم يذكر واحد منهم دليلا، إلا أنه تتبع وجوه الاختلاف في القراءة فوجدها لا تخرج عن سبع.
وهذا التتبع لا يصلح أن يكون دليلا على أن المراد بالأحرف السبعة الوجوه التي يرجع إليها اختلاف القراءات.
ولا يقال: كيف لا يعتبر التتبع، وهو لا يخرج عن كونه استقراء لأنا نقول: إنه استقراء ناقص، بدليل أن طريق تتبع ابن الجزري مخالف لطريق تتبع ابن قتيبة وابن الطيب والرازي، وليس أدل على ذلك من أن الرازي ذكر الوجه السابع، ولم يذكره واحد من الثلاثة الآخرين، بل برر ابن الجزري إهماله، مما يدل على أنه يمكن الزيادة على سبع، وأن الوجه الأول عند الرازي؛ والثاني والسادس ترجع ثلاثتها إلى الوجه الخامس عند ابن الجزري، مما يدل على أن هذه الوجوه يمكن أن يتداخل بعضها في بعض، وأن تعينها إنما هو بطريق الاتفاق لا الاستقراء الصحيح.
وعلى هذا يكون الحصر في الوجوه السبعة غير مجزوم به، ولا متعين، فهو مبني على الظن والتخمين.
2- إن الغرض من الأحرف السبعة إنما هو رفع الحرج والمشقة عن الأمة، والتيسير والتسهيل عليها، والمشقة غير ظاهرة في إبدال الفعل المبني للمعلوم بالفعل المبني للمجهول، أو العكس، ولا في إبدال فتحة بضمة، أو حرف بآخر، أو تقديم كلمة أو تأخيرها، أو زيادة كلمة أو نقصانها، فإن القراءة بإحداهما دون الأخرى لا توجب مشقة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم منها المعافاة، وأن أمته لا تطيق ذلك، ويراجع جبريل مرارا، ويطلب التيسير فيجاب بإبدال حركة بأخرى، أو تقديم كلمة وتأخيرها.
فالحق: أنه مستبعد أن يكون هذا هو المراد بالأحرف السبعة.
3- إن أصحاب هذه الأقوال اشتبه عليهم القراءات بالأحرف، فالقراءات غير الأحرف لا محالة وإن كانت مندرجة تحتها، وراجعة إليها.

.القول التاسع:

إن المراد بالأحرف السبعة سبع قراءات.
وإننا لنناقش هؤلاء فنقول لهم: إن أردتم أن كل كلمة تقرأ بقراءات سبع، قلنا لكم: إن ذلك نادر وقليل جدّا.
وإن أردتم أن بعض الكلمات تقرأ بوجه، وبعضها بوجهين، وبعضها بثلاث... وهكذا إلى سبع، فذلك مردود أيضا بما يأتي:
1- إن بعض الكلمات تقرأ على أكثر من سبعة أوجه؛ قال في منار الهدى في الوقف والابتداء: قد جاء في القرآن ما قرئ بسبعة أوجه، وعشرة أوجه كـ {مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وفي البحر: أن في قوله: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} اثنتين وعشرين قراءة، وفي {أُفٍّ} لغات أوصلها الرماني إلى سبع وثلاثين لغة.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر: بأن غالب ذلك؛ إما لأنه لا تثبت الزيادة؛ وإما أن يكون من قبيل الاختلاف في كيفية الأداء كما في المد والإمالة ونحوها.
والحق: إنه جواب لا يدفع الإشكال، لأن دعوى: أنه لا يثبت الزيادة على السبع مكابرة بعد ما نقلناه عن أئمة القراء، وكونه من قبيل الاختلاف في الأداء لا يمنع أنه من القراءات التي تثبت بها الزيادة على سبع، إذ لا فرق بين ما ذكر وبين الاختلاف في {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} و{فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ} فجعل هذا الاختلاف من القراءات دون الاختلاف في الأداء كالمد والإمالة تحكم ظاهر.
2- إن هذا القول مبني على أن القراءات هي الأحرف، والحق- كما قلنا آنفا-: إنها ترجع إليها، وليست ذاتها، ولا حقيقتها.

.الأحرف السبعة ليست القراءات السبع:

وأشد من هذا القول بطلانا من يزعم: أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع المشهورة، وهو غاية الجهل، قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل.
ولذلك لام كثير من العلماء ابن مجاهد على اقتصاره على السبعة؛ لأنه أوقع من لا يعلم في هذا الوهم، قال أبو العباس بن عمار: لقد فعل مسبّع هذه السبعة ما لا ينبغي، فأشكل الأمر على العامة، بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الحديث، وليته إذ اقتصر نقص عن السبعة، أو زاد ليزيل الشبهة ووقع له في اقتصاره من كل إمام على راويين أنه صار من سمع قراءة راو ثالث أبطلها، وقد تكون هي أشهر، وأصح، وأظهر، وربما بالغ من لا يفهم فخطأ أو كفر.
وقال أبو بكر بن العربي: ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر، وشيبة، والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم.
وكذا قال غير واحد منهم: مكي بن أبي طالب، وأبو العلاء الهمداني، وغيرهم من أئمة القراء.
وقال مكي بن أبي طالب: هذه القراءات التي يقرأ بها اليوم وصحت رواياتها عن الأئمة جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن...، ثم قال: وأما من ظن أن قراءة هؤلاء القراء كنافع وعاصم هي الأحرف السبعة التي في الحديث فقد غلط غلطا عظيما.
وقال القرطبي في تفسيره: قال كثير من علمائنا كالداودي، وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد من هذه السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره.
ومن هذه النقول يتبين لنا: أن القراءات الثابتة المتواترة ليست منحصرة في السبع المشهورة وأنه لا يجوز بحال من الأحوال أن تكون مرادة من الحديث وكيف يمكن أن تكون القراءات السبع المشهورة هي المرادة من الحديث وهي إنما عرف كونها سبعا من قبل أن رواتها المشهورين سبعة، وهذا شيء علم بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة قرون تقريبا، على يد ابن مجاهد فغير معقول أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بنزول القرآن على حروف لم تعرف، ولم تشتهر إلا بعده بقرون.
وقد علمت: أن حصر القراءات الثابتة في سبع إنما كان أمرا اتفاقيّا فحسب.